أبي حيان التوحيدي

21

الإمتاع والمؤانسة

ثم إني - أيدك اللّه - ما أردت أن أجيبك عن كتابك لطول جفائك ، وشدة التوائك عمن لم يزل على رأيك مجتهدا في محبتك على قربك ونأيك ، مع ما أجده من انكسار النشاط وانطواء الانبساط لتعاود العلل علي وتخاذل الأعضاء مني ، فقد كلّ البصر وانعقد اللسان وجمد الخاطر وذهب البيان ، وملك الوسواس وغلب اليأس من جميع الناس ، ولكني حرست منك ما أضعته مني ، ووفيت لك بما لم تف به لي ، ويعزّ علي أن يكون لي الفضل عليك ، أو أحرز المزية دونك ، وما حداني على مكاتبك إلا ما أتمثله من تشوقك إلي وتحرقك علي ، وأن الحديث الذي بلغك قد بدد فكرك ، وأعظم تعجبك ، وحشد عليك جزعك ، والأول يقول : وقد يجزع المرء الجليد ويبتلي * عزيمة رأي المرء نائبة الدهر تعاوده الأيام فيما ينوبه * فيقوى على أمر ويضعف عن أمر على أني لو علمت في أي حال غلب علي ما فعلته ، وعند أي مرض وعلى أية عسرة وفاقة لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته ، واحتججت لي بأكثر مما نشرته وطويته ، وإذا أنعمت النظر تيقنت أن للّه جلّ وعزّ في خلقه أحكاما لا يعازّ عليها ولا يغالب فيها ، لأنه لا يبلغ كنهها ولا ينال غيبها ، ولا يعرف قابها ولا يقرع بابها ، وهو تعالى أملك لنواصينا ، وأطلع على أدانينا وأقاصينا ، له الخلق والأمر ، وبيده الكسر والجبر ، وعلينا الصمت والصبر إلى أن يوارينا اللحد والقبر ، والسلام . إن سرّك - جعلني اللّه فداك - أن تواصلني بخبرك ، وتعرفني مقر خطابي هذا من نفسك فافعل فإني لا أدع جوابك إلى أن يقضي اللّه تعالى تلاقيا يسر النفس ، ويذكر حديثنا بالأمس ، أو بفراق نصير به إلى الرمس ، ونفقد معه رؤية هذه الشمس ، والسلام عليك خاصّا بحقّ الصفاء الذي بيني وبينك ، وعلى جميع إخوانك عاما بحق الوفاء الذي يجب عليّ وعليك ، والسلام . وكتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة أربعمائة « 1 » . [ ا ه ] مؤلفاته : ورغم حرقه لكتبه فقد ترك أبو حيان للمكتبة العربية من مؤلفاته الكثيرة والمتنوعة ما يضعه في مصاف الطبقة الأولى من المثقفين ، فهذا ياقوت الحموي يذكر له في معجمه عدة كتب أهمها : 1 - كتاب رسالة الصديق . 2 - كتاب الرد على ابن جني في شعر المتنبي . 3 - كتاب الإمتاع والمؤانسة [ وهو الذي بين أيدينا ] .

--> ( 1 ) ياقوت الحموي ، معجم الأدباء ص ( 294 - 299 ) .